
المغرب أنفو – سكرتير التحرير
مع بزوغ الفجر في شهر رمضان الكريم، يظل السحور من أبرز الطقوس الرمضانية التي تجمع العائلات والجيران حول وجبة خفيفة قبل الصيام. هذه العادة ليست مجرد لحظة لتناول الطعام، بل تمثل فضاء اجتماعيًا وثقافيًا مهمًا، يعكس قيم التضامن والتشارك بين أفراد المجتمع، ويؤكد على صلة الروابط الأسرية والجوارية في المدن والأحياء المغربية.
من أبرز مظاهر السحور التقليدية في المغرب هي الأهازيج الشعبية التي يرددها الأطفال والشباب لإيقاظ الناس على وجبة الصباح، ومن أشهرها العبارة العامية:
“نوض حبي تسحار”
يُصاحب هذا التقليد عادةً إيقاع الطبول التقليدية أو ما يعرف بالـ“بوزابان”، وهو عنصر موسيقي صغير يعزز الشعور بالمرح والتواصل بين الجيران، ويجعل لحظة السحور مساحة للتفاعل الاجتماعي الجماعي وليس مجرد نشاط فردي. من الناحية السوسيولوجية، هذا التقليد يمثل نوعًا من التنشئة الاجتماعية الرمضانية، حيث يتعلم الأطفال قيم المشاركة، الاحترام، والالتزام بالطقوس الدينية والثقافية منذ الصغر.
مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، شهدت هذه الطقوس تحولات في ممارستها وظهورها. بعض الشباب يقوم بتصوير أنفسهم وهم يرددون الأهازيج أو يقرعون الطبول، ويشاركوا هذه الفيديوهات على المنصات الرقمية بحثًا عن التفاعل أو الشهرة. هذه الممارسة، التي يُطلق عليها أحيانًا “البوز الرقمي”، تحول السحور من مناسبة اجتماعية وروحية إلى حدث رقمي يُظهر الفردانية والمباهاة، ما قد يخرجها عن روحها الأصلية ويُضعف بعدًا التضامن المجتمعي الذي كانت الصحور التقليدية تؤكده.
من منظور سوسيولوجي، هذا التحول يعكس تقاطع بين التراث الثقافي وسوسيولوجيا الإعلام الرقمي، حيث تتصارع القيم التقليدية مع ثقافة التظاهر الرقمي الفردي. كما يطرح تساؤلات حول كيفية الحفاظ على الطقوس الرمضانية الأصيلة في ظل مجتمع متغير، وفي زمن تحكمه المنصات الرقمية وسعي الأفراد للظهور والتفاعل السريع.
يبقى السحور، برغم هذه التحولات، فضاءً رمزيًا يجسد الهوية الثقافية المغربية، ويذكّر بأن الحفاظ على جوهر الطقوس يرتبط بوعي الأفراد والمجتمع، وليس بمجرد الشكل الرقمي أو التفاعل اللحظي على الإنترنت. المغربية بين الأهازيج التقليدية والشهرة الرقمية.
