
المغرب أنفو – العزيزي عبد المجيد
لا تزال مدينة مراكش تحتفظ ببعض ملامحها الصوتية التي صنعت هويتها عبر قرون، ويأتي النفار في مقدمة هذه الرموز التراثية التي شكّلت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية داخل المدينة العتيقة. صوتٌ اخترق الأزقة والدروب، ولم يكن مجرد نداء عابر، بل رسالة اجتماعية وتنظيمية، تحمل في طياتها معنى الانضباط الجماعي والتواصل قبل زمن التكنولوجيا.
النفار، في جوهره، لم يكن وظيفة فولكلورية، بل دورًا اجتماعيًا ذا حمولة رمزية قوية. فقد ارتبط بإيقاع الزمن، خاصة خلال شهر رمضان، حيث كان صوته يعلن اقتراب السحور، وينظم العلاقة بين الفرد والجماعة، ويجسد شكلًا من أشكال السلطة المعنوية المستمدة من العرف والتقاليد. وكان حضوره جزءًا من نظام غير مكتوب، لكنه متجذر في الوعي الجمعي للساكنة.
غير أن التحولات الاجتماعية والعمرانية التي عرفتها المدينة، إلى جانب هيمنة الوسائط الرقمية وأنماط العيش الحديثة، ساهمت في تراجع هذا الدور التاريخي. فاليوم، لم يعد النفار يؤدي وظيفته الأصلية إلا في نطاق ضيق، غالبًا ما يقتصر على المناسبات الرمزية أو العروض الموجهة للسياح، وهو ما يطرح إشكالًا حقيقيًا حول مصير هذا التراث اللامادي.
من زاوية سوسيولوجية، يُمكن اعتبار ما يعيشه النفار نموذجًا لتحولات أوسع تطال الذاكرة الجماعية للمدن العتيقة. فحين يُختزل التراث في بعده الفرجوي فقط، يفقد جزءًا من معناه الاجتماعي، ويتحول من ممارسة حية إلى مشهد استعراضي، قابل للاستهلاك السريع، لكنه مهدد بالزوال على المدى المتوسط.
ويُعزى هذا التراجع، في جانب منه، إلى غياب سياسات ثقافية واضحة تُعنى بتوثيق هذا الموروث ونقله للأجيال الصاعدة، سواء عبر الإدماج في البرامج التعليمية، أو من خلال دعم الفاعلين الثقافيين، أو حتى عبر تثمينه ضمن رؤية شاملة للسياحة الثقافية. فقلة من الشباب اليوم يدركون القيمة الرمزية للنفار، أو يرغبون في حمل هذه المهمة التي لم تعد توفر اعترافًا اجتماعيًا أو استقرارًا ماديًا.
إن الحفاظ على النفار لا يعني استعادة الماضي كما كان، بل يتطلب إعادة قراءة هذا التراث في ضوء الحاضر، وإدماجه ضمن مشروع ثقافي يوازن بين الأصالة والتحول. مشروع يجعل من النفار شاهدًا حيًا على تاريخ المدينة، وصوتًا لذاكرتها، لا مجرد صدى خافت في زمن الضجيج الرقمي.
وبين الإرث الحضاري وخطر الاندثار، يظل النفار مرآة لمدى وعينا الجماعي بقيمة الذاكرة، وبقدرتنا على صون ما تبقى من روح المدينة الحمراء، قبل أن يتحول هذا الصوت العتيق إلى مجرد ذكرى في الأرشيف.
