المغرب انفو
فن وثقافة

قراءة متعمقة في كتاب “تفتيت الشرق الأوسط” لجيرمي سولت

Maghreb Info
قراءة متعمقة في كتاب “تفتيت الشرق الأوسط” لجيرمي سولت

– ترجمة د. نبيل صبحي الطويل
يقدم كتاب “تفتيت الشرق الأوسط” للدكتور جيرمي سولت، قراءة معمقة للتاريخ السياسي والاجتماعي للمنطقة العربية، مسلطًا الضوء على دور القوى الغربية في تشكيل الأزمات والصراعات التي تعيشها المنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم. يبدأ الكتاب بتحليل جذور النظرة الغربية للشرق، موضحًا أن أوروبا اعتبرت نفسها وريثة الحضارة العالمية، وأن تراجع بعض الحضارات الشرقية في مراحل تاريخية معينة ساعد على صعود الغرب كقوة عالمية، مما سمح له بتبرير التدخل العسكري والسياسي والاقتصادي. يرى سولت أن الأزمات في الشرق الأوسط ليست مجرد نتائج صراعات داخلية، بل غالبًا ما تكون نتيجة استراتيجيات مدروسة للقوى الغربية لضمان النفوذ والسيطرة على الموارد والقرار السياسي.
يوضح الكاتب أن التدخل الغربي اتخذ أشكالًا متعددة، بدءًا من الدعم المباشر للأنظمة أو الحركات المسلحة، مرورًا بالاحتلال العسكري، وصولًا إلى التحكم الاقتصادي والسياسي من خلال المساعدات المشروطة والعقوبات الاقتصادية، وأخيرًا التدخل في رسم الحدود السياسية وتأجيج الانقسامات الداخلية للدول العربية. ويربط سولت هذه السياسات بعدد من الأحداث التاريخية الكبرى، مثل اتفاقيات سايكس-بيكو، والغزو الفرنسي لسوريا ولبنان، والصراع العربي الإسرائيلي، والحروب بالوكالة خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى التدخلات العسكرية المباشرة في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا.
يشدد الكتاب على أن خلق الاعتماد الاقتصادي المستمر على المساعدات الغربية أدى إلى إضعاف السيادة الوطنية، وجعل بعض الدول العربية عاجزة عن اتخاذ قرارات مستقلة، مما ساهم في استمرار الأزمات السياسية والاجتماعية. كما يوضح أن التفوق الغربي لم يقتصر على السياسة والاقتصاد، بل امتد إلى الثقافة والدين والفكر، حيث استخدم الغرب سردية التفوق الحضاري لتبرير هيمنته، معتبرًا نفسه وريثًا للتجدد الحضاري الذي فقده الشرق في مراحل معينة من التاريخ.
في خلاصة الكتاب، يؤكد سولت أن فهم التاريخ وتحليل التدخلات الخارجية ضروري لفهم الواقع الراهن في الشرق الأوسط، وأن الأزمات المتكررة ليست مجرد فوضى داخلية، بل نتاج تدخل طويل الأمد للقوى الغربية، مما يجعل الحاجة إلى استراتيجيات عربية مستقلة لفهم ومواجهة هذه الهيمنة أمرًا حتميًا. يقدم الكتاب بذلك رؤية شاملة تجمع بين التحليل التاريخي والسياسي والثقافي، ويشكل مرجعًا مهمًا لكل من يسعى لفهم طبيعة العلاقات بين الشرق الأوسط والقوى الغربية عبر الزمن.

شارك: