الجوطية.. بين الاقتصاد غير المهيكل وحق العيش الكريم

في عدد من المدن المغربية، لم تعد “الجوطية” مجرد سوق شعبي عابر لبيع الملابس المستعملة والأغراض البسيطة، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واقتصادية تعكس تحولات عميقة يعيشها المجتمع المغربي في علاقته بالمدينة والعمل والهشاشة. فهذه الفضاءات المفتوحة، الممتدة على الأرصفة وجوانب الطرقات، أصبحت جزءا من المشهد الحضري اليومي، بما تحمله من تناقضات بين الحاجة إلى العيش الكريم ومتطلبات التنظيم الحضري.
وتكشف الصورة مشهدا مألوفا داخل المجال الحضري المغربي؛ سلع معروضة فوق الأرض، باعة يفترشون الأرصفة، ومتسوقون يبحثون عن أثمنة تناسب قدرتهم الشرائية المحدودة. غير أن هذا المشهد البسيط في ظاهره يخفي خلفه بنية اجتماعية معقدة، ترتبط بتوسع الاقتصاد غير المهيكل وارتفاع معدلات البطالة والهشاشة الاجتماعية، خاصة في أوساط الفئات ذات الدخل المحدود.
ومن منظور سوسيولوجي، تمثل الجوطية شكلا من أشكال “اقتصاد الضرورة”، حيث يخلق الأفراد لأنفسهم فرصا بديلة خارج السوق الرسمية. فالبائع داخل الجوطية لا ينتمي بالضرورة إلى فئة التجار التقليديين، بل قد يكون عاملا فقد وظيفته، أو شابا عاطلا، أو متقاعدا يبحث عن مورد إضافي، أو حتى أسرة بأكملها تعتمد على هذا النشاط لتأمين قوتها اليومي. بذلك تتحول الجوطية إلى آلية اجتماعية للتكيف مع الأزمات الاقتصادية والتحولات التي تعرفها المدينة المغربية.
كما تكشف هذه الأسواق الشعبية عن مفارقة واضحة داخل المجال الحضري؛ ففي الوقت الذي تتوسع فيه المراكز التجارية الحديثة والأسواق المنظمة، تستمر الجوطية في استقطاب فئات واسعة من المواطنين، سواء كباعة أو متسوقين. وهذا المعطى يعكس وجود فجوة اجتماعية بين نمط استهلاك حديث موجّه للفئات الميسورة، وآخر شعبي يقوم على البحث عن الأرخص والأكثر ملاءمة للقدرة الشرائية المحدودة.
ولا يقتصر دور الجوطية على الجانب الاقتصادي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى بعدها الإنساني والاجتماعي. فهي فضاء للتواصل اليومي وتبادل الأخبار والعلاقات الاجتماعية، كما تمنح لكثير من الأفراد شعورا بالاندماج داخل الحياة العامة بدل السقوط في العزلة والتهميش. وحتى السلع المعروضة داخل هذه الأسواق تحمل بدورها “ذاكرة اجتماعية”، لأنها أشياء انتقلت بين بيوت وأشخاص وطبقات مختلفة، قبل أن تجد طريقها إلى الرصيف الشعبي.
وفي المقابل، يثير انتشار الجوطية نقاشا واسعا حول تدبير الفضاء العمومي وحدود التوازن بين الحق في العمل وضرورة احترام التنظيم الحضري. فبعض هذه الأسواق تتحول إلى مصدر للازدحام والفوضى وعرقلة السير، ما يدفع السلطات المحلية إلى التدخل بين الفينة والأخرى لتنظيمها أو الحد من انتشارها. غير أن المقاربة الأمنية وحدها لا تبدو كافية لمعالجة الظاهرة، لأن الجوطية في جوهرها تعبير عن أزمة اجتماعية واقتصادية أعمق من مجرد احتلال للملك العمومي.
إن فهم ظاهرة الجوطية يقتضي النظر إليها باعتبارها مرآة حقيقية للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، حيث تتقاطع الهشاشة مع الرغبة في البقاء، ويختلط الاقتصاد الشعبي بثقافة التضامن والتدبير اليومي للحياة. لذلك تبقى الجوطية، رغم بساطتها الظاهرة، فضاء سوسيولوجيا يعكس نبض المدينة وأسئلة العدالة الاجتماعية وحق الفئات الهشة في العيش الكريم داخل مغرب يعرف تغيرات متسارعة على مختلف المستويات.
