
إفتتاحية : سكرتير التحرير – العزيزي عبد المجيد
كيف تصنع وسائل الإعلام مسارات التهدئة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
في عالم تتسارع فيه الأخبار وتُختزل فيه الأزمات في عناوين عاجلة وصور صادمة، لم تعد وسائل الإعلام مجرد ناقل محايد للأحداث، بل أضحت فاعلًا مركزيًا في تشكيل مسارات الصراع والتهدئة على حد سواء.
ويبرز هذا الدور بوضوح في العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، حيث تتقاطع السياسة بالقوة، والدبلوماسية بالإعلام، والخطاب الرسمي بالرأي العام.
لطالما اتسمت العلاقة بين البلدين بحساسية مفرطة، تجعل أي تصريح أو تسريب إعلامي قابلًا لأن يتحول إلى شرارة تصعيد.
هنا، تظهر أهمية الإعلام في ضبط إيقاع الخطاب، إذ يمكن للكلمة المتزنة أن تخفف من منسوب التوتر، كما يمكن للكلمة المتشنجة أن تدفع نحو مزيد من الاحتقان.
فالإعلام الذي يبتعد عن لغة الاستفزاز ويستعيض عنها بالتحليل والتفسير، يساهم في خلق مناخ عام أقل قابلية للانفجار.
كما يضطلع الإعلام بدور محوري في تقديم السياق بدل الاكتفاء بالحدث. فالصراعات الدولية لا تُفهم بمعزل عن خلفياتها التاريخية والسياسية والاقتصادية.
وعندما تُقدَّم الأخبار المتعلقة بواشنطن وطهران في إطارها الشامل، يصبح المتلقي أكثر وعيًا بتعقيدات المشهد، وأقل انجرافًا وراء القراءات التبسيطية التي تؤجج العداء وتغذي الصور النمطية.
ومن جهة أخرى، يشكل الإعلام مساحة غير مباشرة للحوار، عبر استضافة خبراء ومحللين من اتجاهات مختلفة، ونقل وجهات نظر متباينة دون إقصاء.
هذا التنوع في الطرح يفتح الباب أمام ما يمكن تسميته بـ“الدبلوماسية الإعلامية”، حيث تُختبر الأفكار وتُمرَّر الرسائل، أحيانًا، بمرونة أكبر مما تسمح به القنوات الرسمية.
ولا يقل البعد الإنساني أهمية في هذا السياق. فإبراز كلفة التوتر والصراع على الشعوب، سواء من حيث العقوبات الاقتصادية أو انعكاساتها الاجتماعية والمعيشية، يجعل الرأي العام أكثر ميلًا لدعم التهدئة والحلول السلمية.
فحين تتحول الأرقام الجافة إلى قصص إنسانية، تتراجع لغة المواجهة لصالح منطق العقل والتعاطف.
غير أن هذا الدور الإيجابي للإعلام يظل مشروطًا بالمهنية والاستقلالية.
فعندما تنخرط بعض المنابر في خطاب تعبوي أو تتحول إلى أدوات دعاية، فإنها تفقد قدرتها على التهدئة، وتصبح جزءًا من المشكلة بدل أن تكون جزءًا من الحل.
الإعلام المسؤول هو ذاك الذي يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وواجب عدم الإسهام في إشعال الصراعات.
خلاصة القول، إن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تُظهر بجلاء أن المعارك لا تُخاض فقط بالصواريخ والعقوبات، بل أيضًا بالكلمات والصور.
وفي هذا السياق، يبقى “همس الشاشة” القائم على الوعي والتحليل أقدر على فتح مسارات التهدئة من “ضجيج السلاح” الذي لا يخلّف سوى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
