
إفتتاحية: سكرتير التحرير العزيزي عبد المجيد
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تتجدد الأسئلة حول طبيعة الدور الذي تلعبه إيران في معادلات التوتر الإقليمي.
فكل تصعيد ميداني أو تحرك عسكري غير مباشر يعيد إلى الواجهة جدلًا قديمًا متجددًا: هل يتعلق الأمر باستراتيجية دفاعية قائمة على الردع وحماية الأمن القومي، أم أن طهران باتت توظف أوراقها الإقليمية ضمن منطق الضغط السياسي ورفع سقف المخاطر لتحسين شروط التفاوض؟
منذ سنوات، بنت إيران ما تسميه “العمق الاستراتيجي” عبر شبكة تحالفات ونفوذ ممتد في عدد من الساحات العربية، من العراق إلى سوريا مرورًا بـلبنان واليمن. هذا الحضور، الذي تعتبره طهران جزءًا من منظومة دفاع متقدمة تُبعد التهديدات عن حدودها المباشرة، يُنظر إليه من قبل خصومها باعتباره أداة تأثير تتجاوز الإطار الأمني إلى توظيف سياسي مباشر وغير مباشر.
وتشير قراءة متأنية لمسار الأحداث إلى أن وتيرة التصعيد غالبًا ما تتزامن مع محطات ضغط دولي، سواء تعلق الأمر بعقوبات اقتصادية، أو بتعثر مفاوضات ذات طابع استراتيجي، أو بتهديدات عسكرية متبادلة. في مثل هذه اللحظات، تتحول الجغرافيا الإقليمية إلى ساحة رسائل متبادلة، تُختبر فيها حدود الردع وتُعاد صياغة التوازنات. هنا يبرز توصيف “الابتزاز السياسي” في خطاب بعض الفاعلين، في إشارة إلى استخدام أوراق النفوذ لفرض معادلات تفاوضية جديدة.
في المقابل، تدفع إيران بحجة مفادها أن وجودها الإقليمي يستند إلى اتفاقات وتحالفات قائمة مع حكومات وقوى محلية، وأن تحركاتها تأتي ردًا على ما تعتبره تهديدات مباشرة لأمنها القومي، خاصة في ظل التوتر الدائم مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ووفق هذا المنظور، فإن أي تصعيد ليس سوى امتداد لمعركة ردع مفتوحة، تُدار بوسائل غير تقليدية لتجنب حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.
غير أن الإشكال لا يكمن فقط في تفسير النوايا، بل في هشاشة السياق الإقليمي ذاته. فالمنطقة تعاني من أزمات بنيوية عميقة، تشمل تراجعًا اقتصاديًا واحتقانًا اجتماعيًا وانقسامات سياسية حادة. وفي مثل هذا المناخ، يصبح أي احتكاك عسكري، ولو محدودًا، قابلًا للتحول إلى شرارة أوسع، خصوصًا إذا تداخلت الحسابات المحلية مع رهانات القوى الكبرى.
كما أن استمرار سياسة “إدارة التوتر” يضع المنطقة في حالة استنزاف دائم؛ فلا هي حرب معلنة تُحسم بنتائج واضحة، ولا هو سلم مستقر يسمح بإعادة البناء والتنمية. إنها منطقة عالقة بين معادلات الردع المتبادل وحسابات النفوذ، حيث تُستخدم الجبهات المفتوحة كورقة ضغط أكثر مما تُدار باعتبارها ساحات صراع تقليدي.
في المحصلة، يبدو أن التصعيد الإيراني، سواء اعتُبر دفاعًا مشروعًا أو ضغطًا سياسيًا، بات جزءًا من معادلة إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح والرسائل والرهانات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط حول نوايا طهران، بل حول قدرة الشرق الأوسط ككل على تحمل كلفة هذا النمط من إدارة الصراع. فكلما طال أمد التوتر، ازدادت احتمالات الانزلاق غير المحسوب، في منطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الهشاشة.
